أحمد بن محمد ابن عربشاه
499
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وإنما أوردت هذا المثل ؛ ليعلم مولانا الملك الأجل أن الدنيا وإن كانت ظلا زائلا وحائطا مائلا ، فهي مزرعة للآخرة وإن الآخرة هي الدار الفاخرة ، وأن الله تعالى وجل جلالا ، ولاك هذه المزرعة ، وعلق بالأوامر العلية ما بها من مضرة ومنفعة ، وحكمك في البلاد وملكك رقاب العباد ، فإياك أن تغفل عن عمارتها بالزراعة ، أو تسلم زمام تدبيرها إلى يد الإضاعة ، فإنك منقول منها ومسؤول عنها ، وإن مصالح عساكرك بها منوطة ، وأحوال ملكك بالعساكر مربوطة ، فكلما تعمرت الضياع والقرى ، ترفهت الأجناد والأمراء ، واستراحت الرعية واستمرت مناظم الملك مرعية ، وتوفرت الخزائن واطمأن الظاعن والساكن ، وقلت المظالم وكفت أكف الظالم ، وملاك هذا كله العدل والاستوا ، ومجانبة الأغراض الفاسدة والهوى ، وهذا الذي يقتضيه مقامك ويتم به مرامك ، فإن الملك إنما هو ملك بالأجناد فلا بد له من عمارة البلاد ، والنظر في مصالح العباد ، لينتظم بنظره مصالح العالمين ، ويستقيم أمر العالم إلى الحين الذي قدره أحكم الحاكمين ، فإن سنة الله جرت على هذا السنن ، وما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن ، ولهذا قال سيد سكان الخيف « 1 » : « أنا نبي السيف » « 2 » . والجهاد فرض عين على الملوك لا على الفقير والصعلوك ، فالملوك في نوع من السيادة ، تقتضى من المال ازدياده ليقيموا من الإسلام عماده ، ويقتفوا من الشرع مراده ، ويقصموا الكفر وعناده ويبيدوا أهله وأولاده ، وينهبوا طرافه وتلاده ، ويوطئوا سنابك الإيمان بلاده . وواجب على كل حاكم أن يبذل في ذلك اجتهاده ، ويجعل الجهاد إلى الآخرة زاده وعتاده ، ويصون عن الكفر بلاد الإسلام وعباده إلى يوم يلقى
--> ( 1 ) الخيف : ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء . ومنه سمى مسجد الخيف من منى ، وهو وادى بطحاء مكة نزله رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم . معجم البلدان ( 4158 ) . ( 2 ) ذكره المتقى الهندي في كنز العمال ( 32086 ) بنحوه ، وعزاه للحكيم من طريق حذيفة رضى اللّه عنه بلفظ « أنا نبي التوبة ، وأنا نبي الملحمة » .